الرئيسية / إسرائيليات / صحافة العدو / صحيفة معاريف / معاريف – هذيان بلباس أكاديمي
صحيفة معاريف

معاريف – هذيان بلباس أكاديمي

بقلم: آريه الداد

اقتبس بضعة صحافيين هذا الاسبوع مقالا بقلم اللواء يوآف فولي مردخاي منسق أعمال الحكومة في المناطق، العقيد ميخائيل ميلشتاين – مستشار الشؤون الفلسطينية في مكتب المنسق والمقدم احتياط يوتام اميتاي – عالم نفسي اجتماعي ومستشار تنظيمي. المقال، الذي يحمل عنوان  “غزة الاخرى” قطاع غزة بين الطريق المسدود وبارقة الامل”، نشر في تشرين الاول من هذا العام في نشرة “تقدير استراتيجي” من انتاج معهد بحوث الامن القومي في جامعة تل أبيب. كل العناوين والتوصيفات هذه تبني مستوى من التوقع لبحث اكاديمي. وبالفعل، فان الوثيقة مكتوبة وفقا لافضل القواعد الاكاديمية. في مقدمته ملخص وفيه وعد: “يعرض المقال الواقع المتشكك في قطاع غزة… القسم الاول من المقال يركز …”، وفي سياق المقال يعرض “مسار التطرف…” وفي قسمه الاخير يشدد على الحاجة الى “بشرى حقيقية…”، وبعد الملخص – مقدمة. وبعدها  ثلاثة فصول قصيرة وجدول، وفي النهاية – خلاصة. يرفق بالمقال قائمة 18 مصدر، وهو مزروع بتعابير مثل “يمكن الادعاء”، “هنا يمكن الاقتراح، بالحذر المناسب”، “الادعاء الاساس الذي طرح في المقال”، “نقطة منطلق المقال”. باختصار: مقال اكاديمي – علمي. مع ادعاء، اثبات، واستنتاجات. لفخار الاكاديمية الاسرائيلية.

المشكلة هي في المضمون.

يصف الكُتّاب المحترمون الوضع القاسي في قطاع غزة: فقر وبطالة تحت حكم فاشل لحماس. ليس شيئا لا يقرأ في كل صحيفة يومية. بعد ذلك يبحث المقال في نشوء جيل شاب وغاضب في القطاع، جيل متعلم نسبيا ومحبط، ذي فكر متطرف حتى مقارنة بحماس. ليس شيئا لا يكتبه كل صحفي اجنبي يزور القطاع بعد حديث مع شابين في مقهى. بعد ذلك يبحث المقال في “مسار التطرف” الذي مر به القطاع منذ 1947، رغم تغيير الحكم، من عهد الحكم المصري، عبر الحكم الاسرائيلي، حكم السلطة والان  – حماس. من كرب الى كرب.

مسار التطرف ينبيء، برأي الكُتّاب، بما سيحصل في غزة اذا ما حل الجيل الجديد، الغاضب، محل حماس. ويستهدف هذا الفصل توجيه القاريء الفهيم الى الاستنتاج بان علينا أن نحمي حكم حماس من كل ضر، كي لا يكون الحال اسوأ (كم اكثر “تطرفا” يمكن أن يكون؟ داعش؟ يقطعون الرؤوس بدلا من التفجر في باص؟ حماس يمكن “ردعها” وداعش يمكن فقط قتله؟ حسنا من ناحيتي. حماس يمكن اقناعها بالحصول على الف قاتل مقابل جندي واحد وداعش لن يوافق؟ حسنا. فبعد بضع سنوات من حكم منظمة “اكثر تطرفا من حماس” لا بد أن الكُتّاب سيوصون بحماية حكمها كي لا يأتي “حكم أكثر تطرفا”. فهمنا المبدأ العلمي).

وعندها يأتي فصل الخلاصة: التوصيات.

لو كان هذا مقال رأي في صحيفة لكان ممكنا ازاحته بتقدير “هراء هاذ” والتخلص منه. ولكن هذا مقال “اكاديمي”. فالكُتّاب يقترحون على اسرائيل أن تبادر الى نوع من “مشروع مارشل” دولي، يشكل “بشرى حقيقية” للغزيين. والبشرى حسب مردخاي تتضمن “مناطق صناعية متطورة، مجالات سياسية، قنوات مواصلات حديثة وبنى تحتية تلبي احتياجات السكان”. كيف؟ من خلال “استثمارات دولية جدية”. جدية لدرجة انها ستجعل القطاع جنة عدن، وبالتالي، كون كل شيء سيكون جيدا جدا، “لن يتاح لحماس الاعتراض على التغيير او حتى منعه”. هذا ينبغي أن يكون متداخلا بالطبع مع “تقييد التعاظم العسكري لحماس وانتهاء الاشتراط باعادة الاسرى والمفقودين”. حسنا بالتأكيد. فحماس تنتظر فقط مثل هذه الفرصة. في هذه اللحظة لا يزالون يخجلون من أن يقترحوها بأنفسهم.

خسارة أن خيال الكُتّاب انحصر بهذه المواضيع ولم يتضمن رؤيا مستقبلية من الازدهار الثقافي: اوبيرا، باليه، متاحف. سيارة وبركة لكل غزي، تصفية الفوارق والمساواة الاجتماعية، تحول ديمقراطي، حقوق نساء وتعددية دينية، دوائر جامعية لتعليم النوع الاجتماعي، واعادة اعمار الكنس المحروقة في غوش قطيف كنصب تذكارية للسلام والتعايش. خسارة.

نأمل خيرا

اللواء مردخاي وشريكاه (هكذا يكتبون في الاكاديمية) يعرفون جيدا بان المال الذي ستضخه الاسرة الدولية في إطار “مشروع مارشل” الذي يقترحونه – سيصل على الفور الى ايدي حماس. كما أنهم يكتبون ذلك (“صحيح أن من هو كفيل ظاهرا ان يتمتع بالتنمية الهامة لقطاع غزة هو قبل كل شيء حكم حماس”)،  ولكنهم يعلقون آمالهم في أن المنظمة الارهابية الاجرامية “ستكون مطالبة بان تتصرف وفقا للاشتراطات الواضحة من الجهات الدولية”. لماذا لم يحصل هذا حتى اليوم؟ هل حتى اليوم “لم يطلبوا” استخدام المال لبناء المستشفيات ومنشآت تطهير المجاري؟ أم أنهم لم ينجحوا في فرض الاستخدام المناسب للمليارات التي ضخت حتى الان الى القطاع؟ لماذا جعل الغزيون الجنة المزدهرة لغوش قطيف التي ابقيت لهم صحراء ومصانع لانتاج الصواريخ؟

للكُتّاب المحترمين جواب بسيط على هذه الاسئلة: ما يفصل بين الجحيم الغزي الحالي وبين هذيانهم الحلو هو “غياب الارادة الطيبة من اصحاب المصالح في المجال”. ها قد وجدنا الحل All We Need Is Love .

وفقط حفظا لكرامة الكُتّاب فاني أُلجم ردود فعلي لجملة الترهات – بلباس اكاديمي هذه. كم من المال ضخ حتى الان الى القطاع من جهات دولية؟  كم منه استخدم ويستخدم لانتاج الاف الصواريخ وحفر الانفاق؟ لماذا برأيهم اذا ما ضخ مال أكثر فانه لن سيستخدم بالضبط لذات الاغراض؟ كيف بالضبط ستطبق الاسرة الدولية مطالبها؟ ولماذا لم ينجح هذا حتى اليوم؟ وماذا اذا اخذت حماس المال وانتجت صواريخ اخرى وطائرات غير المأهولة وحفرت مزيدا من الانفاق، ماذا ستعمل عندها الاسرة الدولية؟ هل ستوقف “مشروع مارشل”؟ تجتث “البشرى الحقيقية”؟ ولكن عندها من شأن الشباب المتعلمين والغاضبين ان يسيطروا على القطاع ويجعلوه اكثر تطرفا من حماس. وماذا سنعمل عندها؟ نأمل خيرا. كُتّاب المقال لا يقترحون شيئا غير ضخ المال لحماس دون أن يقترحوا أي سبيل حقيقي غير أمل عديم الاساس في أن في المستقبل سيكون الحال افضل.

ان الاستخدام التلاعي باصطلاح “مشروع مارشل” هو فقط واحد من مؤشرات التضليل المقصودة من جانب الكُتّاب. لقد كان “مشروع مارشل” مشروعا لاعادة بناء اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. متى؟ بعد أن هُزمت المانيا واستسلمت. ليس قبل. فالامريكيون ليسوا مجانين. لم يضخوا لالمانيا النازية وللبلدان التي احتلوها حتى ولا سنتا واحدا قبل أن ينتصروا ويسيطروا على الارض. ما يقترحه منسق اعمال المناطق هو أن ينقل العالم المال لحماس على أمل أن تصبح فجأة “يد سارة” او “جناحي كرامبو”. لا يعقل كيف أن اناسا يعرفون جدا العرب وحماس، كاللواء مردخاي، ينسون بأن “سبب وجود” حماس هي حربها الاجرامية ضد اسرائيل. لا حاجة بالذات الى هذه المنظمة الارهابية الاسلامية لمعالجة المجاري في غزة. فاذا ما تخلت عن “المقاومة” ستبقى بلا هوية.

شيء غريب جدا يحصل من منسقي الاعمال في المناطق. فهم يبدأون بالتماثل مع زبائنهم. للواء يوآف مردخاي ماض عسكري فاخر: جولاني، ضابط في دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات، وحدة 504 المجيدة، كلية المخابرات للغة الغربية، درجات علمية اكاديمية. كيف يمكن أن نفهم توصياته بضخ مبالغ مالية هائلة لحماس؟ لعل الوزير يوفال شتاينتس بالغ حين قال عن اللواء مردخاي انه “يتلقى التعليمات من ابو مازن”، ولكن عندما انفجرت قبل بضعة اشهر فضيحة اقرار اضافة 14 الف  وحدة سكن لقلقيليا على حساب المناطق ج، على شفا طريق رقم 6، تحدث بضع وزراء في الكابنت إذ قالوا ان منسق الاعمال يضلل الكابنت ويعمل من خلف ظهره.

في كل الاحوال: “غزة الاخرى” توجد حاليا فقط في هذيان كُتّاب المقال. الهذيانات يمكنها أن تكون بريئة وغير ضارة. اما هذيان يتضمن توصية بنقل المليارات لحماس – فهي ليست كذلك.

عن إدارة الموقع

شاهد أيضاً

هآرتس – أعطوهم مدرسة

بقلم: أسرة التحرير مدرسة من اطارات السيارات، تعمل منذ نحو ثماني سنوات في الخان الاحمر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.