الاستيطان

الاستيطان

    يبقى الاستيطان المعضلة الكبرى في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، حيث يقضم الأرض ويقضي على فكرة الدولة الفلسطينية متواصلة الأراضي والقابلة للتطور والحياة ،ويقضي على حق العودة حيث لا مكان للعودة إذا لم تكن هناك دولة فلسطينية حقيقية.
كلما تم الاقتراب من هذا الموضوع تجد أن الإسرائيليين متعنتين متشنجين، فهم دائما يبعدون أو يبتعدون عن التطرق لهذا الموضوع في حديث رسمي كان أم شعبي و في ذات الوقت يؤكدون أن الاستيطان جوهري وعصب رئيسي  لحياتهم ودولتهم، حتى في أوج مباحثات أوسلو وعمليتها السلمية وهي الأكبر في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ،تجدهم يصرون على  تأجيل هذا الموضوع لمراحل متأخرة ،يعرفون مسبقا أننا لم نصل إليها ،لأن عملية قضم ألأرض والاستيطان في فلسطين هي عملية مستمرة ومتواصلة و هي في جوهر ولب الفكر الصهيوني ،منذ نشأ هذا الفكر العنصري.
وبعودة بسيطة في التاريخ وكتابات المؤرخين و المهتمين في هذا المجال ،نكتشف كثيرا أهمية الاستيطان في الفكر الصهيوني الذي تسير على طريقه الحكومات والحركات الإسرائيلية المتعاقبة. ونجد أن العملية الاستيطانية نفسها عنصر أساسي في عمر الصراع وليس وليدة، لا التطور الديمغرافي الإنساني (الزيادة الطبيعية) ولا هي وليدة مواقف سياسية متشددة لبعض الأحزاب الإسرائيلية، بل هي أساس و مكون   رئيسي من مكونات الفكر الصهيوني وهذا واضح حتى قبل تأسيس الدولة .
بدأت فكرة الاستيطان في فلسطين، تلوح في الأفق، بعد ظهور حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في أوروبا، حيث بدأ أصحاب المذهب البروتستانتي الجديد بترويج فكرة تقضي بأن اليهود ليسوا جزءاً من النسيج الحضاري الغربي، وإنما هم شعب الله المختار، وطنهم المقدس فلسطين، يجب أن يعودوا إليه ، وكانت أولى الدعوات لتحقيق هذه الفكرة ما قام به التاجر الدنمركي أوليغربولي عام 1695، الذي أعد خطة لتوطين اليهود في فلسطين، وقام بتسليمها إلى ملوك أوروبا في ذلك الوقت، وفي عام 1799، و كان الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أول زعيم دولة يقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين أثناء حملته الشهيرة على مصر وسوريا .
واشتدت حملة الدعوات للمشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين في القرن التاسع عشر، حيث انطلقت هذه الدعوات من أوروبا مستغلة المناخ السياسي السائد حول الأطماع الاستعمارية الأوروبية في تقسيم ممتلكات الرجل المريض”الدولة العثمانية” والتي عرفت حينئذ بالمسألة الشرقية، وقد تولى أمر هذه الدعوات عدد من زعماء اليهود وغيرهم،أمثال: اللورد شاتسبوري، الذي دعا إلى حل المسالة الشرقيـة عن طريق استعمـار اليهـود لفلسطيـن ، بدعم من الدول العظمى ساعده في ذلك اللورد بالمرستون”1856-1784″، الذي شغل عدة مناصب منها، وزير خارجية بريطانيا، ثم رئيس مجلس وزرائها حيث قام بتعيين أول قنصل بريطاني في القدس عام 1838وتكليفه بمنح الحماية الرسمية لليهود في فلسطين،كما طلب من السفير البريطاني في القسطنطينية بالتدخل لدى السلطان العثماني للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين .
وبعد ظهور الحركة الصهيونية كحركة سياسية عملية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سعت هذه الحركة إلى السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وكان من أبرز نشطائها لورنس أوليفانت 1888-1820 والذي كان عضواً في البرلمان الإنجليزي، وعمل أيضاً في السلك الدبلوماسي الإنجليزي، اعتقد بضرورة تخليص اليهود من الحضارة الغربية بتوطينهم في فلسطين، وذلك بإدخالهم كعنصر لإنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها الاقتصادية، لما يتمتع به اليهود من ذكاء في الأعمال التجارية ومقدره على جمع الأموال، ومن أجل ذلك قام في عام 1880م بنشر كتاب بعنوان أرض جلعاد اقترح فيه إنشاء مستوطنة يهودية شرقي الأردن شمال البحر الميت، لتكون تحت السيادة العثمانية بحماية بريطانية، وكذلك شجع استعمار اليهود في فلسطين والمناطق المجاورة عن طريق إقامة مستعمرات جديدة ومساعدة القائم منها .
وبالإضافة إلى أوليفانت حاول العديد من زعماء اليهود في القرن التاسع عشر القيام بمشاريع لتوطين اليهود في فلسطين،ومن بين هؤلاء مونتفيوري (1784-1885) الذي حاول استئجار 200 قرية في الجليل لمدة 50 عاماً مقابل 10%-20% من إنتاجها، إلا أن هذه المحاولة فشلت أمام رفض الحاكم المصري لبلاد الشام آنذاك، ثم نجح في الحصول على موافقة السلطان العثماني بشراء عدد من قطع الأراضي بالقرب من القدس ويافا، واسكن فيها مجموعة من العائلات اليهودية، إلا أن هذه الخطوة أخفقت أيضاً تحت تحفظ السلطات العثمانية لمشاريع الاستيطان في فلسطين،كما بذل وليم هشلر جهوداً في جمع تبرعات مادية وإرسالها إلى الجمعيات الصهيونية لتشجيع الاستيطان في فلسطين تحت الحماية البريطانية” .
أما المبشرون الأمريكيون فقد ساهموا في عودة اليهود إلي فلسطين ففي عام 1814 وقف القس جون ماكدونالد راعي الكنيسة المسيحية داعيا إلي أن اليهود يجب أن يعودا إلي أرض صهيون ، ولقد تبعه العشرات من المبشرين الذين دعوا إلي نفس الفكرة ففي النصف الأول من القرن التاسع قام أحد قادة البروتستانت بالهجرة إلي فلسطين وأنشأ هناك مستوطنة زراعية يهودية لتدريب المهاجرين اليهود علي الزراعة ، وكذلك قامت السيدة كلواندا مانيور زوجة أحد كبار التجار وهي من البروتستانت مجموعة من رجال الدين المسيحي للهجرة إلي فلسطين عام 1850 وملكت مساحات شاسعة من الأراضي وهبتها لإقامة المستوطنات اليهودية وهكذا ساعد البروتستانت اليهود في دخول فلسطين ، و قام الاتحاد الإسرائيلي العالمي (الاليانس) الذي تأسس عام 1860 باستئجار 2600 دونم لمدة 99 عاماً،أقيمت عليها مدرسة زراعية بدعم من البارون روتشيلد لتدريب اليهود المهاجرين على الزراعة.
وفى عام 1870 تم تأسـيس مسـتوطنة (مكفا إسرائيل) وتعنى أمل إسرائيل في لواء القدس والتي أنشأت مدرسه كانت تهدف إلى تزويد المستوطنين اليهود بالخبرة الزراعية وتقـديم التسهيلات لهم. هذا ويعتبرها المؤرخون اليهود أول مستوطنه زراعية يهودية في فلسطين.
في عام 1878 قامت مجموعة من اليهود بشراء 3375 دونم من أراضى قرية ملبس وتم تسجيلها باسم النمساوي سلومون، واستمرت المحاولات اليهودية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية حتى عام 1881 الذي يعتبره المؤرخ اليهودي والترلاكور بداية التاريخ الرسمي للاستيطان اليهودي في فلسطين بعد أن وصل حوالي 3000 يهودي من أوروبا الشرقية، تمكنوا من إنشاء عدد من المستوطنات في الفترة من 1882-1884 ، وتوالت فيما بعد عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بشتى الوسائل منها الشراء أو الاستئجار لمدة طويلة ، وقد لعبت المؤسسات اليهودية التي أنشئت لهذا الغرض ومن بينها:منظمة بيكا التي أسسها روتشيلد، والوكالة اليهودية التي انبثقت من المؤتمر الصهيوني العالمي الأول عام 1897، والصندوق القومي اليهودي “الكيرن كايمت” وصندوق التأسيس اليهودي”الكيرن هايسود” والشركة الإنجليزية الفلسطينية. وبالرغم من إن المستوطنات لم تظهر بشكل منتظم خلال القرن التاسع عشر إلا في عام 1878،عندما تمكن مجموعة من يهود القدس من تأسيس مستوطنة بتاح تكفا، وفي عام 1882 ثم إنشاء ثلاث مستوطنات ،هي مستوطنة ريشون ليتسيون وزخرون يعقوب وروش يبنا،ثم مستوطنتي يسود همعليه وعفرون عام 1883، ومستوطنة جديرا عام 1884، وفي عام 1890 أقيمت مستوطنات رحوبوت ومشمار هيارون وبعد انعقاد المؤتمر الصهيوني العالمي الثاني عام 1898 أقر قانون المنظمة الصهيونية العالمية التي أخذت على عاتقها كافة الشؤون المتعلقة بالاستيطان بعد أن وصل عدد المستوطنات الإسرائيلية الزراعية إلى”22″ مستوطنة، سيطرت على 200 ألف دونم ارتفعت إلى 418 ألف دونم .
وساهم تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بزعامة هرتسل سنة 1897، بوضع حجر الأساس للمشروع الصهيوني، حيث كان الأساس الأيديولوجي الذي اعتمدته الحركة الصهيونية، منذ بـدء نشاطها أواخر القرن التاسع عشر- مقولة إن المشروع الصهيوني هو عودة شعب بلا أرض إلى أرض بلا شعب” .
فعملت المؤتمرات الصهيونية العالمية بدءاً من المؤتمر الأول على تنفيذ برامجها التي تمحورت حول برنامج المؤتمر الأول عام 1897،” ويدعو هذا البرنامج إلى العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين اليهود وفق أسس مناسبة، وتغذية وتقوية المشاعر اليهودية والوعي القومي اليهودي، واتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على الموافقة الضرورية لتحقيق غاية الصهيونية، فقد سعت الحركة الصهيونية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى امتلاك أكبر مساحة ممكنة من الأراضي باعتبار ذلك إحدى الركائز الضرورية لإقامة دوله يهودية على أنقاض فلسطين العربية، ولقد ساعد نظام ملكية الأراضي الذي كان سائداً في فلسطين ومناطق أخرى من الإمبراطورية العثمانية آنذاك الصهاينة على تحقيق بعض مخططاتهم في امتلاك الأراضي الفلسطينية وتهويدها.
في العصر العثماني . خلال فترة الخلافة العثمانية في “فلسطين” والتي امتدّت من عام ( 923هـ = 1517م) وحتى عام ( 1335هـ = 1917م)، كان هناك العديد من العوامل التي أدّت إلى قيام الكيان الصهيوني، فلقد تميزت الدولة العثمانية بسياسة شديدة التسامح مع الأقليات، وقد ساعد ذلك على حرية الحركة والتخطيط، وخاصة في الفترة التي تميّزت فيها الخلافة العثمانية بالضعف، نتيجة تكالب الدول الاستعمارية عليها، بالإضافة إلى دور محاكم التفتيش الكاثوليكية في أسبانيا ( 1077هـ = 1666م) في تصفية كل من الوجود الإسلامي واليهودي مما أدى إلى هجرة اليهود، وخلق ما يسمى بيهود “الدونما”، والذين رفعوا شعار: “العام القادم في أورشليم”.
  وقد كان للعديد من الحركات الصهيونية في أوروبا أثر بالغ في تحريك مجريات الحياة الأوربية، وخاصة من الناحية الاقتصادية، وقد ظهر ذلك جليًا في عملية تمويلهم للثورة الفرنسية سنة ( 1213هـ = 1798م)، والتي قامت تحت مسمى التصدّي لظلم الكنيسة الكاثوليكية ورفعت شعار: “اخنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس”، وقد أدَّى ذلك إلى زيادة نفوذهم وتأثيرهم في المجتمع الأوروبي، فكان أول وعد بإقامة كيان يهودي بفلسطين هو ما وعدهم إياهم “نابليون بونابرت” خلال حملته الفرنسية على الشرق سنة ( 1213هـ = 1798م)، من خلال دعوته لليهود في”آسيا” و”أفريقيا” للالتحاق بجيشه من أجل دخول “القدس” ضمن “الحملة الفرنسية” على الشرق، إلا أنه لم يستطع أن يحقق ما وعدهم إياه بعد فشله في فك حصار “عكّا” المشهور في ( 15 من ذي الحجة 1213هـ = 20 من مايو1799م)، وجلاء الجيش الفرنسي نهائيًا إلى “فرنسا” سنة ( 1216هـ = 1801م).
 وفي ذلك الوقت ظهرت التوجّهات الفكرية الأوروبية بتهجير اليهود وتوطينهم في “فلسطين”، ليتخلصوا من إزعاج اليهود بالإضافة إلى خلق كيان يهودي في وسط المنطقة الإسلامية يكون مصدر قلق دائم للدولة العثمانية، وفي ذلك الإطار نشأ الفكر البروتستانتي المنادي بأن ثمة رابط بين اليهود والأراضي المقدسة، وأن اليهود هم شعب الله المختار، كما ظهر العديد من الجمعيات اليهودية على الساحة الأوربية، التي تمارس الفكر الصهيوني مثل “جمعية لندن” وغيرها من الجمعيات، وكان مما لفت الأنظار الأوروبية إلى “فلسطين” وقوع “القدس” في يد الوالي “محمد علي باشا” بعد أن دخلها ابنه “إبراهيم باشا “على رأس جيش كبير سنة( 1247هـ = 1831م)، وقد تميّزت سياسة “إبراهيم باشا ” في “فلسطين” بالتخفيف عن غير المسلمين والسماح لهم بإقامة مناطق العبادة، واستخراج تراخيص بناء المساكن.
إلا أن بداية ظهور المساعي الاستيطانية للحركة الصهيونية علنًا في “فلسطين” كانت على يد واحد من زعماء الصهاينة، هو السير “موشى مونتفيوري” الذي نجح في استصدار أمر من “محمد علي باشا” يسمح له بموجبه بشراء وتملّك الأراضي الزراعية، وممارسة أعمال الزراعة بالأراضي الفلسطينية، ولكن وقف أمام إصدار ذلك الأمر أعضاء مجلس القدس، فأيّد “محمد علي باشا” رأيهم، ورفضه هو الآخر، ولكن جاءت معاهدة لندن سنة (1256هـ = 1840م) لتقليص ممتلكات” محمد علي”، وقصرها فقط على “مصر”، وإرغامه على سحب قواته من بلاد “الشام”، ثم كانت الديون ذريعة أخرى للتدخل في الشئون الداخلية للبلاد؛ لإجباره على الانسحاب من “فلسطين” ( 1257 هـ = 1841م ) بعد فترة دامت 10 سنوات.
وفي مقدمة كتابه ( كتاب لجرجي زيدان منذ مائة سنة) الجديد الذي صدر بالقاهرة ضمن سلسلة «كتاب الهلال»، يؤكد محقق الكتاب، الذي هو في الآن نفسه، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، أن كتابا عربا كانوا يحذرون منذ القرن التاسع « ويصرخون بأن ما يجري في فلسطين ليس هجرات عادية بل تهويدا كاملا، لا يهدف الى إقامة دولة على أرضها لليهود فقط بل يسعى الى طرد العرب الفلسطينيين منها. وكانت الاحداث تتحرك في فلسطين بصورة تنذر بكارثة». موضحا أن المهاجرين اليهود أولئك، منذ عام 1882، لم يكونوا هاربين من اضطهاد وإنما كانوا يعتنقون الأيديولوجية الصهيونية.
ولقد نشر زيدان في مجلة «الهلال» عام 1913 مشاهداته عن رحلته الى فلسطين
وهي رحلة لم يشر اليها أحد من الدارسين والمؤرخين لجرجي زيدان، ونسيها
الجميع ولم تصدر في كتاب في ما بعد، مثل رحلاته الأوروبية. ومما يؤكده
محقق الكتاب، أنه في شهر أكتوبر من سنة 1913 نشر جرجي زيدان في مجلته
دراسة عنوانها «الصهيونية.. تاريخها وأعمالها» وظل يواصل النشر حتى توفي
يوم 23 يونيو من سنة 1914، قبل أشهر من اندلاع الحرب العالمية الاولى التي
شهدت نهايتها صدور «وعد بلفور» في الثاني من نونبر من سنة 1917 وتعهدت فيه
بريطانيا لليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.
علما أن جرجي زيدان، في مشاهداته تلك، كان حريصا على أن يمايز بين اليهود
وبين الصهيونية. وقام برصد دقيق للكيفية التي « بلغت بها الجمعيات
الصهيونية أعدادا كبيرة، وأن مخططها هو تنشيط الاستعمار الإسرائيلي في
فلسطين وسوريا. بما صاحب ذلك من إصدار صحف والسعي لإنشاء جامعة لتعليم
العلوم باللغة العبرية، اضافة الى إنشاء مدارس ومصارف ومعامل طبية وإنشاء
مستوطنات.
بعد حرب عام 1967 أعلنت إسرائيل أنها لم تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة لتتخلى عنهما في يوم من الأيام وفي سبيل ذلك شرعت مباشرة في مصادرة الأراضي الفلسطينية وإقامة المستعمرات عليها في كل مكان تطبيقا لشعار «لا صهيونية بدون استيطان» حتى وصل عدد سكان هذه المستوطنات نحو نصف مليون يهودي منتشرين في نحو 120 مستوطنة يعيش منهم في القدس وحدها نحو 200 ألف يهودي موزعين على 12 حيا استيطانيا.
ويسيطر الإسرائيليون على معظم مصادر المياه الجوفية والأراضي الزراعية الخصبة حيث تصل نسبة الأراضي الفلسطينية المصادرة خدمة للمستوطنات وجدار الفصل العنصري نحو 50 % من الأراضي الفلسطينية. وقد عادت مشكلة الاستيطان مؤخرا لتفرض نفسها بقوة مجددا كإحدى العقبات والمعوقات الكبرى أمام استئناف مفاوضات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية ، إذ تطالب السلطة الوطنية الفلسطينية بالوقف الكامل للاستيطان في الأراضي الفلسطينية قبل البدء في المفاوضات، بينما تطرح إسرائيل مواقف هلامية وضبابية لا تتعدى التعهد بتجميد الاستيطان لبضع شهور وان لا يشمل التجميد مدينة القدس ولا ما تسميه إسرائيل بالنمو الطبيعي للمستوطنات مقابل الحصول على مكاسب سياسية وشروط معينة.
ابتزاز سياسي… وتتمثل خطورة المخطط الاستيطاني الإسرائيلي في حقيقة أن توزع الكتل الاستيطانية على الأرض الفلسطينية وإحاطتها بمختلف المدن والقرى، ما يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية ويحول دون اتصالها بعضها ببعض وواقع الأمر أدى إلى وجود نحو 8  كانتونات فلسطينية تفصلها الحواجز والمستعمرات الإسرائيلية وبعضها موصول بأنفاق تحت الأرض وهذا الوضع يجعل من إقامة الدولة الفلسطينية المتواصلة الأطراف أمرا مستحيلا ويقضي على حلم الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة.
وعن الدور الأمريكي في الاستيطان نأتي بالآتي: في ذلك التاريخ (1840) بعث مؤسس الكنيسة المورمونية اللوثرية الأمريكية جوزيف سميث تلميذه أورسون هايد إلى القدس للعمل على “تسهيل نبوءة بعث إسرائيل”! وقد حمل هايد معه توصية من وزير الخارجية الأمريكي وأخرى من حاكم ولاية الينوي إلى البعثات الدبلوماسية في المنطقة لمساعدته في مهمته. وتتحدّث الوثائق الرسمية عن نشاط محموم استمرّ حوالي ثلاثين عاماً لإقامة مستعمرات أمريكية لوثرية في فلسطين بالتعاون مع اليهود المحليين، غير أنّ تلك المحاولات فشلت لأسباب عديدة، منها عدم تعاون اليهود الفلسطينيين، وبناء على ذلك اقتنعت واشنطن أنّ “استيطان” المتهّودين الخزريين (الأشكينازيم) هو الوحيد الممكن، وهو ما كانت لندن اللوثرية البيوريتانية تعمل من أجله منذ عام 1749، أي منذ عهد كرومويل!
في العام 1917 تبادل الوزير البريطاني بلفور الرسائل مع الرئيس الأمريكي ولسون للاتفاق على الصيغة النهائية للتصريح الذي سوف تصدره لندن بشأن “الوطن القومي اليهودي”، وقد وافق ولسون سرّاً على مشروع التصريح، وظلت الموافقة طيّ الكتمان بسبب موقع واشنطن في الحرب العالمية الأولى، وعندما تأكّدت نهائياً هزيمة الدولة العثمانية، في آب/ أغسطس 1918، أدلى ولسون بالتصريح التالي: “أعتقد أنّ الأمم الحليفة قد قرّرت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين بتأييد تام من حكومتنا وشعبنا”!
في الحرب العالمية الثانية كانت لندن تحاول الاحتفاظ بمستعمراتها ونفوذها في المنطقة العربية، حيث بدأت واشنطن تحلّ محلّها. ومن أجل عدم استفزاز العرب وكسب ودّهم خفّفت من إظهار حماستها للهجرة اليهودية إلى فلسطين، غير أنّ واشنطن دعت إلى عقد مؤتمر صهيوني في نيويورك (مؤتمر بلتيمور في أيار/ مايو 1942) معلنة دعمها القويّ للهجرة والاستيطان. وفي ذلك المؤتمر قال ديفيد بن غوريون: “لم يعد باستطاعة اليهود الاعتماد على الإدارة البريطانية في تسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين”!
في الشهر الأخير من العام نفسه (1942) شكّل 67 سناتوراً في مجلس الشيوخ كتلة لمناصرة الصهيونية، وانتسب 143 ممثّلاً سينمائياً لما سمّي “اللجنة الأمريكية لفلسطين”، وانضمّ ثلث مجلس الشيوخ إلى 1500 شخصية أمريكية في التوقيع على “عريضة تصحيحية” تطالب بتشكيل جيش يهودي!
وفي 6/ 10/ 1943 وصل إلى البيت الأبيض 500 كاهن لوثري عرضوا على نائب الرئيس والاس مطالب الصهاينة. وفي الشهر الأول من عام 1944 قدّمت إلى مجلسي الشيوخ والنواب مشاريع قرارات بالمصادقة على برنامج مؤتمر بلتيمور وبخاصة ما يتعلّق بتشكيل الجيش اليهودي. وفيما بعد أدخلت المطالب الصهيونية التي تضمنها برنامج بلتيمور في مقرّرات مؤتمرات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وأصدر الكونغرس (ولا يزال) أعداداً لا تحصى من القرارات تنفيذاً لتلك المطالب!
وكان الرئيس روزفلت قد استقبل حاييم وايزمان في العام 1942، وبما أنّه كان منهمكاً في دخول المملكة السعودية فقد راح يتحدّث عن تسوية عربية يهودية “للمشكلة الفلسطينية”، فقال وايزمان إنّه إذا اعتمد إنشاء الوطن القومي اليهودي على موافقة العرب فإنه لن ينشأ أبداً، واقترح أن يجبر العرب على الإذعان مثلما أجبروا على الإذعان لتصريح بلفور! وقد استمرّ روزفلت في محاولاته التوفيق بين مصالحه العربية واتجاهه الصهيوني إلى ما بعد مؤتمر يالطا، غير أنّ ذلك لم يمنع أن ترسخ في عهده بالذات تلك التقاليد الصهيونية التي ظلّت ثابتة مستمرّة حتى عهد باراك أوباما الحالي، وقد ظلّت الحكومات العربية تجد عذراً للسياسة الأمريكية بسبب تلك التقاليد التي أظهرت وتظهر الأمريكيين، مثلهم مثل العرب، ضحية من ضحايا الصهيونية اليهودية، الأمر الذي حقّق ويحقّق وضعاً مريحاً لواشنطن ولأصدقائها الحكام العرب!
في العام 1945 كان الرئيس ترومان يتبنّى بقوة الفكرة القائلة بفرض الإذعان على العرب، وهو أرغم الحكومة البريطانية كي توافق على دخول مائة ألف “مستوطن” يهودي إلى فلسطين، معلناً أنّ الولايات المتحدة سوف تتحمّل العبء المالي في نقلهم. وفي عام 1946 تردّدت الحكومة البريطانية مرّة أخرى في الموافقة على نقل مائة ألف “مستوطن” آخر، فلوّح المسؤولون الأمريكيون بإمكانية رفض الكونغرس الموافقة على قرض لبريطانيا (3750 مليون دولار) فكان ذلك كافياً لانصياع لندن على حساب نفوذها في البلاد العربية! وفي عام 1947، وبأمر مباشر من الرئيس ترومان المؤسس الحقيقي للكيان “الإسرائيلي”، أعلن وفد الولايات المتحدة في هيئة الأمم تأييده لمشروع اغتصاب فلسطين (التقسيم) ومارس الأمريكيون ضغوطاً جبارة على عدد كبير من حكومات العالم لإلزامها بالتصويت إلى جانب الاغتصاب، فكان لهم ما أرادوا، وفي العام 1948، عندما أعلن عن قيام الكيان “الإسرائيلي”، بعث ترومان باعترافه بعد إحدى عشرة دقيقة!
إنّ هذا الذي عرضناه، وهو غيض من فيض، يدلّ على أنّ الجولة الأخيرة للمبعوث الأمريكي ميتشل لم تفشل بسبب تعنّت نتانياهو، بل هو التظاهر الأمريكي بالفشل، وأنّ الرئيس أوباما ليس في وضع حرج ومغلوب على أمره أمام “الإسرائيليين”، بل هو التظاهر بذلك أيضاً، فهي التقاليد/ الألاعيب الصهيونية الأمريكية، غير اليهودية واليهودية، المعمول بها منذ عهد روزفلت، والتي سوف تستمرّ حتى طيّ صفحة فلسطين المحتلة نهائياً، إمّا بزوالها أو بتحريرها!
هذا نقطة في بحر التاريخ يظهر ويوضح أن الاستيطان  هو العنصر و المحرك   الرئيسي للفكر الصهيوني الذي يتبنى منذ نشأته مبدأ أرض بلا شعب لشعب بلا ارض. أردنا في هذا البحث او هذه الكلمات من التاريخ و عن التاريخ .أن جميع الحكومات تعمل في هذا  الاتجاه ،تقضم الأرض ،تحرم أصحابها من السكن في منازلهم و بيوتهم وتحلل ذلك للمغتصب ،ليس سياسة جديدة بل مبدأ و خارطة طريق يسيرون عليها بضمان من الغرب و أصحاب خارطة  الطريق. فهل نتعظ ؟؟؟
المراجع:
·        الصهيونية تاريخها و أعمالها (جرجي زيدان).
·        صلاح عبد العاطي (الاستيطان).
·        كنعان.
·        من منشورات الإخوان المسلمين.

عن الدعم الفني

شاهد أيضاً

دعوات “إسرائيلية” لإلغاء اتفاق أوسلو وتوسيع الاستيطان بالضفة

قال البروفيسور “الإسرائيلي”، موشيه شارون، لموقع القناة السابعة التابع للمستوطنين، إن “اتفاق أوسلو كان يجب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.